صديق الحسيني القنوجي البخاري

46

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَقالَ لهم لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ أي كنانة وغيرها وَإِنِّي جارٌ أي مجير ومعين ناصر لَكُمُ من كل عدو أو من بني كنانة ، ومعنى الجار هنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار ، وقيل المعنى أنه ألقى في روعهم هذه المقالة وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون . فَلَمَّا تَراءَتِ التقت الْفِئَتانِ أي فئة المسلمين والمشركين ورأى الملائكة وكان يده في يد الحرث بن هشام نَكَصَ أي رجع عَلى عَقِبَيْهِ هاربا أي رجع القهقرى يمشي إلى ظهره ، وقيل معنى نكص ههنا بطل كيده وذهب ما خيله . وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ أي من جواركم وحفظكم ونصركم والذب عنكم وتبرأ منهم لما رأى أمارات النصر مع المسلمين بإمداد اللّه لهم بالملائكة ، ثم علل ذلك بقوله : إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ من الملائكة ثم علل بعلة أخرى فقال : إِنِّي أَخافُ اللَّهَ قيل خاف أن يصاب بمكروه من الملائكة الذين حضروا الوقعة ، وقيل إن دعوى الخوف كذب منه ولكنه رأى أنه لا قوة له ولا للمشركين فاعتل بذلك وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ يحتمل أن يكون من تمام كلام إبليس بسطا للعذر ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا من جهة اللّه سبحانه تهديدا لإبليس . إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ قيل هم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر وكانوا بالمدينة وهو ابتداء كلام منقطع عما قبله وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هم الشاكون من غير نفاق الكائنون بمكة لم يقو إسلامهم لكونهم حديثي عهد بالإسلام ، وعن الحسن قال : مرضى القلوب هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين ، وقال الكلبي : هم قوم كانوا أقروا بالإسلام وهم بمكة ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر فلما رأوا المسلمين وافقوا المنافقين في قولهم . غَرَّ هؤُلاءِ المسلمين دِينُهُمْ حتى تكلفوا ما لا طاقة لهم به من قتال قريش ، وعن الشعبي نحوه ، وقيل هم المشركون ولا يبعد أن يراد بهم اليهود الساكنون في المدينة وما حولها وانهم هم والمنافقون من أهل المدينة قالوا هذه المقالة عند خروج المسلمين إلى بدر لما رأوهم في قلة من العدد ، وضعف من العدد . فأجاب اللّه عليهم بقوله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يثق به فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يغلبه غالب ولا يذل من توكل عليه حَكِيمٌ له الحكمة البالغة التي تقصر عندها العقول . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 50 ] وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) وَلَوْ تَرى الخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو لكل من يصلح له كما تقدم تحقيقه في